المتابعون

الأحد، 30 أكتوبر، 2011

لإحتلال العراق عام 2003 الدور الرئيسي في انتشار ظاهرة التدوين والمدونات واتساع تأثيرها, فهل سيشهد التدوين انحساراً مع انحسار الجيش الامريكي عن العراق نهاية عام 2011

استكمالاً لما كتبناه هنا عن تاريخ التدوين واول مدون بالعالم دودو السومري وآيباده الطيني هنا
ظاهرة المدونات الرقمية والدوافع الاجتماعية
إعداد الدكتور طلال ناظم الزهيري
*  أستاذ مساعد في قسم المعلومات والمكتبات كلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

تعد ظاهرة التدوين وإنشاء المدونات انطلاقة حقيقية في مجال النشر الرقمي على الانترنت والتي أخذت في الآونة الأخيرة تثير حولها الكثير من الجدل بين متحمس ومؤيد ومتحفظ ورافض. فرغم عمرها القصير مقارنة بخدمات الانترنت الاخرى إلا إنها تتربع اليوم على قمة الخدمات الجاذبة لمستخدمي الشبكة بعد خدمات البريد الالكتروني. وحسب موسوعة "ويكيبيديا" الالكترونية على الانترنت فان كلمة Blog هي نحت من كلمتين هما Web Log أي سجل الشبكة. وشاع استخدام الترجمة العربية (مدونة) مقابل (Blog). ويمكن وصف المدونة على إنها صفحة رقمية تسمح لصاحبها بالتعبير عن ذاته بحرية تامة من خلال سلسلة من المقالات التي يعمل على تدوينها ويتم ترتيب المقالات (المدخلات) ترتيبا زمنيا وبشكل تصاعدي مع وجود نظام لأرشفة هذه المدخلات، وعليه فان أي موضوع في المدونة يظهر على الصفحة الاولى لمدة من الزمن ثم تحل محله المواضيع الجديدة، ويمكن استرجاع المعلومات القديمة بالدخول على الأرشيف.  وتختلف مميزات وخصائص المدونات تبعا للجهة المستضيفة لها لاعتبارات مثل حجم مساحة التدوين والقوالب الجاهزة وطريقة الأرشفة، والية التدوين والتصميم، فضلا عن اسم النطاق وغيرها من الخصائص التي سنأتي على ذكرها لاحقا.
وتصنف المدونات من حيث الجهة المسؤولة عنها بين الشخصية والمؤسسية والبعض منها يسمح بمشاركة مجموعة من المدونين الذين يجمعهم هدف واحد او تخصص موضوعي مشترك او أي علاقة اخرى في مدونة واحدة. وتختلف المدونات عن المواقع بخاصية مجانية النشر في معظم الأحيان والتحديث السريع للمعلومات، فضلا عن سهولة وبساطة الإنشاء التي لا تحتاج الى خبرة برمجية كونها في الغالب تتكون من صفحة واحدة فقط، على خلاف المواقع. كما إنها توفر فرصة سريعة للتواصل من خلال تعليقات الزوار على المقالات والموضوعات التي تحتويها.
التدوين من منظور تاريخي
ان التدوين كمفهوم يعد ظاهرة متأصلة في حياة المجتمعات البشرية على اختلاف الثقافة و اللغة ومستوى التقدم الحضاري الذي وصلت إليه. وعلى الرغم من ان معاجم اللغة تربط مفهوم التدوين بالكتابة والتسجيل، إلا ان التدوين من وجهة النظر التي يطرحا البحث تخرج إلى حدود المشافه وتناقل الأفكار والمعلومات بصيغ غير كتابية. ولعل سوق (عكاظ) * يعد شاهد تاريخي على هذا الرأي، إذ كان الشعراء والخطباء يحرصون على عرض أجود نتاجهم في هذا السوق، ان منظر الربوة التي ينتصب عليها الشاعر او الخطيب في مخيلتي هي منبر التدوين الشفهي في تلك الفترة. ثم تطور الأمر في العصر الجاهلي إلى تحويل جدران الكعبة بكل ما تمثله للعرب من قدسية إلى لوحة شرف تعلق عليها قصائد فحول الشعر العربي التي تمثل مدونات تاريخية تمجد القبلية وتؤسس لسجل تاريخي لها، وإذا ما علمنا ان الآلاف من العرب يحجون إليها كل عام نعلم إي شرف وشهرة ينالها من تعلق قصيدته على جدران الكعبة. لذا لم يحظى بهذا الشرف إلا سبعة من الشعراء في بيئة خصبة بالشعر والشعراء. ولقد تطورت ظاهرت التدوين عند العرب بظهور وانتشار الإسلام في شبه الجزيرة العربية، إلا انه اخذ منحى اخر ارتبط بتدوين آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول (صلى الله عليه وسلم). وعرف المدونون في ذلك الوقت بكتاب الوحي. ومع تطور صناعة الورق في بغداد عاصمة الدولة العباسية. ظهر سوق الوراقيين. وهو إلى جانب كونه مركز تجاري يعد في ذات الوقت منتدى ثقافي مهم يجتمع فيه العلماء والأدباء والفلاسفة على اختلاف مناهجهم واتجاهاتهم لعرض نظرياتهم والتسويق لمؤلفاتهم التي انتشرت بشكل كبير جدا لتعكس مستوى تقدم حضاري مهم وصلت إليه الدولة العربية الإسلامية في تلك المرحلة.
لقد كان الكتاب(المخطوط) هو المدونة الأكثر انتشارا وتداولا. ومع ظهور المدارس الفقهية في البصرة والكوفة وبغداد تشكلت الجماعات الفقهية التي ترتبط بأئمة وفقهاء العصر والتي تميزت في طابعها الجدلي. وتعد الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم (إخوان الصفا*) من ابرز تلك الجماعات والتي أنتجت سلسلة من المدونات رتبت ترتيباً جامعاً لشتات العلوم متمشياً مع الأغراض التي قامت من أجلها الجماعة. ان هذه المدونات والتي عرفت برسائل أخوان الصفا  قد جمعت ونشرت في أواسط القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) تقريباًَ. وهي تبلغ 52 رسالة في مختلف العلوم والموضوعات.
ومع اختراع الطباعة في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي ازدهرت حركت التدوين والتأليف بشكل كبير جدا. ولعل الصحف اليومية والأسبوعية كانت أهم الانجازات في مجال التدوين بعد تطور الطباعة بالحروف المعدنية المتحركة. إذ سمح هذا النوع من المطبوعات بتوفير مساحة مشتركة للعديد من المدونين الذين امتهنوا مهنة الصحافة ليعبروا عن توجهاتهم وآرائهم في مختلف الموضوعات لمجتمع واسع من القراء. ومع ظهور الانترنت وتنامي عدد مستخدميها، أصبح الباب مشرعا أمام الكثيرين ليدلوا بدلوهم في مجال التدوين سواء من خلال مواقعهم الشخصية او مشاركتهم في المنتديات متجاوزين العديد من العوائق اللغوية والاعتبارات السياسية والجغرافية لينطلقوا بآرائهم وأفكارهم إلى فضاء هو الفضاء الرقمي. وفي هذا الفضاء تم تخصيص صفحات محدد أطلق عليها (مدونات) لتبدأ معها ظاهرة جديدة هي ظاهرة التدوين الرقمي، وقد كان للحرب على العراق في عام 2003 الدور الرئيسي في انتشار ظاهرة التدوين والمدونات واتساع تأثيرها، فقد برزت خلال الشهور الاولى الحرب على العراق مقالات تندد بالحرب، كما استغلها بعض السياسيين الأميركيين المعارضين للحرب للتعبير عن معارضتهم ، واستطاعوا ان يؤثروا في الرأي العام امثال السياسي الأميركي هوارد دين المرشح الديمقراطي للرئاسة الأميركية لعام 2004. كما استثمرها المواطنون العراقيون المقيمون في الخارج للتعبير عن مواقفهم من الحرب بين مؤيد ورافض وكل فريق حاول ان يحشد الدعم لموقفه. وبعد مرور ثلاث سنوات فقط انتشرت ظاهرة المدونات بشكل لافت للنظر ويشير موقع http://technorati.com/ المتخصص في متابعة المدونات وحركة التدوين إلى ان هناك أكثر من 91.5 مليون مدونة على الانترنت، وهناك 175000 مدونة جديدة تظهر كل يوم،  ويقوم المدونون بإضافة إدراجات جديدة يبلغ عددها 1.6 مليون إدراج جديد يوميا.
العوامل الاجتماعية وتأثيرها في نمو ظاهرة التدوين
منذ بدء الخليقة سعى الإنسان إلى بناء منظومة من القيم الاجتماعية التي يحدد من خلالها علاقته بالأخر، وعلى هذا الأساس استحق الوصف بأنه كائن اجتماعي بالفطرة . فالعلاقات الاجتماعية في حقيقتها هي رغبة في تحقيق سلسلة متصلة من الأهداف التي يطغى عليها الجانب النفعي في شكليه الاقتصادي والاعتباري، وغالبا ما تحدث القطيعة الاجتماعية إذا تضرر هذا الجانب تحديدا عند أي طرف. فإذا أمنا بان الصفة الاجتماعية عند الإنسان هي فطرة عندها يمكن القول إن إشباع الشعور بالأفضلية تعد واحدة من سماتها مع التباين النسبي لهذا المفهوم من شخص لآخر. لهذا يعد الصراع على السلطة والثروة في حقيقته هو صراع على الأفضلية. إلا ان الأفضلية المرحلية لم تشبع الغرور الإنساني لذا استخدمت أساليب التدوين المختلفة بدأ من الرسم على جدران الكهوف وانتهاء بالنشر على الانترنت كوسيلة فاعلة للتعبير عن الذات. وظاهرة المدونات الرقمية ما هي إلا امتداد طبيعي لكل انواع المدونات الشخصية الورقية منها وغير الورقية. لذا من المفيد ان نحلل ظاهرة انتشار التدوين والمدونات في العالم العربي على أسس اجتماعية اخذين بنظر الاعتبار المحتوى الموضوعي لها. لقد استطلع الباحث عدد كبير من المدونات العربية وخرج بمجموعة من المؤشرات نجملها في الأتي:
1. معظم أصحاب المدونات يتخفون بأسماء مستعارة. وهذا مؤشر يدل على الشعور بالخوف من المجتمع بقدر اكبر من الخوف من سلطة القانون. لان التخفي بالأسماء المستعارة لا يمنع  السلطات من الوصول إلى صاحب المدونة وكشف أمره. وان كان مفيد على صعيد المجتمع المحيط به. ان التعبير بصراحة عن الرأي يعد مشكلة اجتماعية يبدو إنها أصبحت متأصلة الجذور في مجتمعنا العربي.

2. معظم المدونات أصحابها من الشباب (18-38) سنة. وهذا مؤشر اجتماعي على تنامي الإحساس بالوحدة في هذه المرحلة من العمر والرغبة بالتعبير عن الذات، بصراحة اكبر من المعتاد.  وكسب الأصدقاء وفي أحيان أخرى  تستخدم المدونة لاغراض البحث عن عمل باستعراض المهارات والخبرات الشخصية.
3. تخفي أصحاب المدونات من الإناث خلف صور الفنانات خاصة الصور التي يطغى عليها جانب الإغراء. من الناحية الاجتماعية يكشف هذا الجانب عن مدى الرغبة في الثورة على العادات والتقاليد في المجتمعات العربية المحافظة او الرغبة في إثارة غرائز الشباب على اعتبار ان الصورة تشكل عنصر جذب لتحقيق التواصل. وهي من ناحية أخرى تعد مؤشر على الخوف والتردد بالظهور مما يدل على ان التدوين يتم بشكل سري وغير معلن حتى للمقربين من العائلة والأصدقاء.
4. معظم المدونات العربية تخصص مساحة كبيرة لقضايا السياسة والدين والجنس والأدب. ونلاحظ ان القضايا الثلاث الاولى تعد من المحرمات في مجتمعاتنا العربية لذا فان التدوين فيها في الغالب يعكس اما شعور بالحرمان او الاضطهاد. اخذين بنظر الاعتبار طبيعة نظم الحكم في المنطقة العربية التي تتسم بمركزية السلطة .
5. من المدونات العربية تتميز مدونات العراقيين عموما باستخدام صورة العلم العراقي او صورة الرئيس السابق صدام حسين، وتناقش قضايا الإرهاب والعنف والتطرف الديني. او تعلن معارضتها للوضع الراهن, مما يعكس الشعور بالخوف على الوطن من جهة وشعور بالمعاناة والاضطهاد من جهة أخرى. وهي نتيجة طبيعية في ظل الظروف الراهنة للعراق.
6. يحرص معظم المدونون على الترويج لمدوناتهم أكثر من اهتمامهم بالمحتوى الموضوعي، إذ يتم استخدام عناوين وعبارات جاذبة او صور لا ترتبط بموضوع او اتجاهات المدون. نتيجة رغبة في تحقيق عدد اكبر من الزوار نتيجة الشعور بالعزلة الاجتماعية والرغبة في الظهور.
7. معظم المدونات العربية غير هادفة ولا تعرف لها اتجاه او فكرة او موضوع محددة، فترى المدون يتنقل في مقالاته بين موضوعات مختلفة يكتب مرة في السياسة وأخرى في الدين وثالثة بالأدب. وهذه سمة اجتماعية مرتبطة بالمجتمعات العربية خصوصا فالمواطن العربي حتى في الأحاديث العادية  يتشعب في الحوار من الدين إلى السياسة إلى الاقتصاد...الخ.
8. شكلت قضية الأحداث الجارية في العراق محورا رئيسيا للمدونات العراقية والعربية على حد سواء معلنة عن تناقض كبير في وجهات النظر بين مؤيد ورافض للتغير الذي حصل فيه، مما يدل على ان المواطن العربي متفاعل مع الأحداث بشكل اكبر من تفاعل السلطة وانه في الغالب لا يثق بوسائل الأعلام في نقلها للحدث، إذ اكتسبت بعض الموضوعات تفاعل كبير من المدونين في التعليق قبولا او رفضا تعاطفا او شجبا. حتى مع العلم ان الكثير من تلك الموضوعات لم يكن بالإمكان التحقق من مصداقيتها.
9. مما يؤسف له ان التناقضات المجتمعية والاختلافات الدينية والمذهبية داخل المجتمع قد وجدت طريقها إلى المدونات العربية إذ يحرص بعض المدونين على الإعلان عن نفسه من خلا الرموز الدينية او يخوض في مجالات الاختلافات المذهبية والعقائدية. وبالتالي أصبحت المدونات مرآة الواقع بكل تناقضاته.
10. المدونات العلمية المتخصصة حاضرة بخجل في شبكات التدوين ولا تشكل نسبة كبيرة إلى مجموع المدونات، وغالبا ما تكون في نهاية الترتيب الذي يحدد على اساس نسبة المشاهدات. وعليه فان الموضوعات العلمية والأدبية الهادفة لم تعد تشكل عنصر جذب للمواطن الذي يبحث عن المعلومة المثيرة والسريعة مبتعدا عن تعقيد الموضوعات الهادفة. وهذا المؤشر هو في الواقع انعكاس لاهتمامات المجتمع العربي الذي لم يعد مكترثا بالقضايا العلمية.
11.  تختلف المدونات العربية في اتجاهاتها الموضوعية باختلاف البلد إذ غلب على مدونات جمهورية مصر النقد اللاذع للوضع باستخدام الأسلوب النقدي الساخر، وهي طبيعة اجتماعية ينفرد بها المصريون ، إذ ان النكتة لدي المصرين تندرج دائما تحت مفهوم شر البلية ما يضحك.
12. مدونات المغرب العربي عموما تناقش قضايا حقوق الإنسان وهذه المسألة حاضرة في تدوينات الكثير من أصحاب المدونات، ولعل القرب من المجتمع الغربي الهم البعض منهم أهمية هذا الموضوع.
13. مدونات الخليج العربي وبشكل خاص المدونات السعودية تناقش في الغالب قضايا المرأة وهو أمر طبيعي اذا ما علمنا ان المدونين في معظمهم من العنصر النسوي.  ولعل المرأة في الخليج تعاني اجتماعيا بحكم العادات والتقاليد التي تفرض على المرأة الكثير من القيود في حياتها الاجتماعية وبفوارق نسبية محدودة بين بلد وأخر.
14. المدونات العراقية كما اشرنا سابقا يغلب عليها طابع التمرد على الوضع القائم وما استخدام صورة الرئيس العراقي السابق إلا مؤشر على الحنين إلى الماضي ورفض الحاضر. ولعل معظم أصحاب المدونات العراقية هم من المهاجرين الذين اضطرتهم الظروف إلى ترك بلدهم إلى مكان اخر.
15. نسبة كثيرة من المدونات العربية متوقفة عند المقال الاول وهو سمة اجتماعية تعلن عن الاندفاع نحو شئ معين ثم التراجع بسبب الشعور بالخوف من الاستمرار او فقدان عالم التدوين لبريقه او الانشغال بأمور الحياة الاخرى.
هذه هي أهم المؤشرات التي خرجنا بها عند زيارة المدونات العربية في شبكات التدوين المعروفة (مكتوب) (جيران) (دون) (تدوين) و (bloggers)

LinkWithin

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

Google+ Followers